سلمان هادي آل طعمة
164
تراث كربلاء
وعند دخولنا المدينة نزلنا على أحد تجّار المدينة وهو السيّد صالح السيّد مهدي « 1 » الذي كان قد أعدّ لنا منزلًا نقيم فيه ، فأقمنا فيه نهاراً وليلتين . وفي الليلة الأولى خرجنا لمشارفة ما في المدينة مع السيّد أحمد ، وأخذنا نطوف ونجول في الطرق ؛ فمررنا على عدّة قهواتٍ حسنة الترتيب والتنسيق ، ورأينا فيها جوامع فيحاء ، ومساجد حسناء ، وتكايا بديعة البناء ، وفنادق تأوي عدداً عديداً من الغرباء ، وقصوراً شاهقةً ، ودوراً قوراء ، وأنهاراً جاريةً ، ورياضاً غنّاء ، وأشجاراً غبياء . والخلاصة : وجدنا كربلاء من أُمّهات مدن ديار العراق ؛ إذ إنّ ثروتها واسعةٌ ، وتجارتها نافعةٌ ، وزراعتها متقدّمةٌ ، وصناعتها رائجةٌ شهيرةٌ ، حتى إنّ بعض الصنّاع يفوقون مهرة صنّاع بغداد بكثير ، لا سيّما في الوشي والتطريز ، والنقش والحفر على المعادن والتصوير ، وحسن الخطّ والصياغة ، والترصيع وتلبيس الخشب ، خشباً أثمن وأنفس على أشكالٍ ورسومٍ بديعةٍ عربيةٍ وهنديّةٍ وفارسيّةٍ وهندسيّة . ولمّا كان الغد وكان يوم السبت رأينا ما لم نره في الليل فسقنا وصفه ، وكنّا نقف عند التجّار زملائنا وحرفائنا ومعاميلنا الذين نتعاطى معهم بالبيع والشراء ، وفي خارج المدينة نهرٌ اسمه « الحسينيّة » ( بالتصغير ) وماؤه عذبٌ فرات ، ومنه يشرب السكّان ، إلّا أنّ ماءه ينضب في القيظ ، فتخرج الصدور ، وتضيق النفوس ، ويغلو ثمن الماء ، فيضطرّ أغلبهم إلى حفر الآبار وشرب مياهها ، وهي دون ماء الحسينيّة عذوبةً ؛ فتتولّد الأمراض ، وتفشو بينهم فشوّاً ذريعاً ، كالحميات والأدواء الوافدة ، والأمل أنّ الحكومة تسعى في حفر النهر وحفظ مياهه طول السنة . في كربلاء مستشفىً عسكريٌّ ودار حكومةٍ ( سراي ) ، وثكنةٌ للجند ، وصيدليّةٌ وحمّاماتٌ كثيرةٌ ، ودار برقٍ وبريدٍ وبلديّةٌ وقيسريّاتٌ عديدةٌ . وفيها قنصليّةٌ إنكليزيّةٌ ، والوكيل مسلم ، وأغلب رعيّة الإنكليز من الهنود .
--> ( 1 ) يغلب على الظنّ أنّ السيّد صالح هو ابن السيّد مهدي البلور فروش من تجّار المدينة ، والسيّد أحمد هو ابن السيد حسن ابن السيّد مرتضى آل طعمة .